الطبراني
62
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وجه ثالث في موضع آخر وهكذا . . . ولا تجد تعبيرا حوّل عن وضعه الأصلي كتقديم الخبر على المبتدأ ، وكتأكيد الخبر ، وكالإكتفاء بذكر البعض عن البعض الآخر مما يذكر عادة ، وغير ذلك ، إلا وجدت لهذا نكتة بلاغية كانت لإيجاد معنى يخدم المعاني المطلقة التي تتضمّنها الألفاظ والعبارات في الآية . هذا من حيث أسس الكلام في اللغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معان ، ومن حيث أسس الكلام في القرآن من حيث هي ألفاظ دالّة على معان ، سواء أكانت من حيث النظرة إلى المفردات في تراكيبها ، أو من حيث التراكيب جملة . أمّا من حيث التّصرّف في المفردات وهي في تراكيبها ، أو التصرف في التراكيب ، فإن القرآن سائر فيها على معهود العرب الذين نزل القرآن بلسانهم . ومع إعجاز القرآن للعرب ، فإنه لم يحصل فيه العدول عن العرف المستمر لهم في التصرّف بالقول ، وواقعه من هذه الجهة هو عينه واقع معهود العرب في ذلك . وبالرجوع إلى واقع معهود العرب نجد أن العرب لا ترى الألفاظ حتميّة الالتزام حين يكون المقصود المحافظة على معنى التراكيب ، وإن كانت تراعيها . وكذلك لا ترى جواز العدول عن الألفاظ بحال من الأحوال بل تلتزمها حين يكون المقصود أداء المعاني التي تقتضي الدقّة في أدائها التزام اللفظ الذي يكون أداؤها به أكمل وأدقّ ، فليس أحد الأمرين عندهم بملتزم ، بل قد تبنى المعاني على التركيب وحده مع عدم الالتزام بالألفاظ ، وقد تبنى المعاني على الألفاظ . في التركيب . فمن شأن العرب الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها إذا كان المعنى المقصود على استقامته ، فقد حكى ابن جني عن عيسى بن عمر قال : سمعت ذا الرّمّة ينشد : وظاهر لها من يابس الشخت واستعن * عليها الصبا واجعل يديك لها سترا « 1 »
--> ( 1 ) الخصائص لابن جني : باب في إيراد المعنى المراد بغير اللفظ المعتاد : ج 2 ص 467 .